الشيخ محمد رشيد رضا

16

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ملأ بنى قيلة بهذه البلاد ، واللّه مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار . فأمر فتى شابا من اليهود - وكان معه - فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم وذكرهم يوم بعاث وما كان قبله . وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار . وكان يوم بعاث يوما اقتتلت به الأوس والخزرج ، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ، ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك ، فتنازعوا وتفاخروا ، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب - أوس بن قيظى أحد بنى حارثة بن الحارث من الأوس وجبار بن صخر أحد بنى سلمة من الخزرج - فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم واللّه رددناها الآن جذعة . وغضب الفريقان وقالوا : قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة : - والظاهرة الحرة - فخرجوا إليها وتحاور الناس ، فانضمت الأوس بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية . فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال : « يا معشر المسلمين اللّه اللّه ، أتدعون بدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ، بعد أن هداكم اللّه إلى الاسلام ، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألّف بينكم ، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا ؟ » فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح من أيديهم ، وبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا ؛ ثم انصرفوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سامعين مطيعين ، قذ أطفأ اللّه عنهم كيد عدو اللّه شاس بن قيس وما صنع . قال ابن جرير : فأنزل اللّه في شاس بن قيس وما صنع ( يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ) إلى آخر الآيتين السابقتين قال : وأنزل اللّه عز وجل في أوس بن قيظى وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ - إلى قوله - لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) وأورد صاحب الكشاف ، الرواية مختصرة وقال في آخرها : فما كان يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم : - فعلى هذا تكون الآيتان السابقتان متصلتين بالآيات الآتية .